من فقه الخلاف بين العلماء والأئمه للدكتور/محمد تامر حفظه الله
لماذا لم يحدث بين أكابر العلماء -كالأئمة الأربعة وغيرهم - تَفَرُّقٌ وتحزُّبٌ في الدين أو ابتداعٌ فيه؟
الإجابة: لأنهم لم يخالفوا إجماع العلماء من الصحابة ومن تبعهم بإحسان في مسألة عَقَدِية أو في حكم فقهي.
وهذه المسائل التي تم عليها الإجماعُ بين العلماء، توافرَت على مضمونِها ومعناها الأدلةُ الصحيحة الصريحة من القرآن والسنة، بحيث لا يكون هناك أدنى احتمالٍ لِشبهةِ وجودِ دليلٍ من القرآن والسنة يخالف تلك النصوصَ أبدا.
ومن ظنَّ أن هناك دليلا يخالف ما أجمعوا عليه، فإنما هو تَوَهَّمَ ذلك في ذهنه لعدم علمه أو لعدمِ تَدَبُّرِه للنص، أو أن النص ليس صحيحًا أصلا وهو لا يدري أنه ليس صحيحًا.
ومن تلك المسائل التي اتفقوا عليها في العقائد: رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة، وشفاعةِ النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته الذين دخلوا النار بذنوبهم التي ماتوا وهم مُصُرُّون عليها، وكذلك مثل: إثبات عذاب القبر ونعيمه، ونزول المسيح عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، واتفقوا كذلك على أن المسلم لو ارتكب شركا أو كفرا وهو لا يعلم أنه شركٌ أو كفرٌ فلا يَكفر حتى تُقام عليه الحجة الواضحة ثم يُصِرّ بعده على قولِه أو فِعْلِه المُكَفِّر. وغير ذلك من مسائل العقيدة، التي اتفقوا عليها ولم يختلفوا فيها مطلقا.
ومن المسائل التي اتفقوا عليها في الأحكام الفقهية: حرمةُ الجمع بين المرأة وخالتها، وحرمةُ أكل الحمير، وعدمُ صحة الصلاة من الحائض والنفساء، وأن الحائض تقضي الصيامَ ولا تقضي الصلاة، وحِلّ أكل السمك والجراد، وحرمة نكاح المتعة، وجواز المسح على الخفين، وأن الرضاع يُحَرِّم ما يَحْرُم من النسب. وغير ذلك من مسائل الفقه.
وإنما كان خلافهم في مسائل الاجتهاد، وهذا الاختلاف لا يضر ولا يُفرق بين المسلمين.
-ولا تجد أحدًا منهم يتعصب لاجتهاده، بل كلهم يقول: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.
ومسائل الاجتهاد أربعة أنواع، وهي:
النوع الأول: كل مسألة ليس فيها نص شرعي من قرآن أو سنة.
النوع الثاني: كل مسألة فيها نص شرعي من القرآن أو السنة ولكنه ليس قطعيًّا في المعنى، بل دلالته ظنية. كقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون)
وكما في الحديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
النوع الثالث: أو يكون في المسألة نص شرعي من الحديث ولكنه ضعيفٌ. فيأخذ به البعضُ ويتركه البعضُ.
النوع الرابع: أن تكون المسألة فيها نص شرعي صحيح وصريح ولكنه معارَضٌ ظاهريًّا بنص شرعي آخر. فهنا يوفِّق الله من شاء من العلماء لإزالة هذا الإشكال وبيانِه بما يتفق مع الدليل المُوهِم للمخالفة. مثل: صحة حديث: تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، مع قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). فليس هناك تعارضٌ بين الآية والحديث، وقد بيَّنَ العلماء أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه في حال إذا أوصى قبل موته بالنواح عليه، أو لكونه لم يتبرأ مما سيفعله أهله بعد موته وهو يعلم أنهم سيفعلون ذلك، أو أن التعذيبَ هنا لا يلزم أن يكون بالنار، كقوله صلى اله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ. يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» فقد يكون تعذيبه بِلَوْمِ الملائكة له حين يصرُخ أهلُه عليه.
وهكذا جميع ما يُتَوَهَّم فيه التعارُضُ من الأدلة الشرعية. والله الموفق لكل خير. وكل عام وأنتم بخير. بقلم/ محمد تامر.
نقله لكم//عبدالهادىبن رجب بوحوش
تعليقات
إرسال تعليق